قالت مجلة "فورين بولسي" الأمريكية، إن الحرب الأهلية في السودان على وشك الدخول في فصل جديد أكثر دموية، بعد أكثر من ألف يوم من القتال، مما قد يؤدي إلى محو الحدود التي كانت تحصر هذا الصراع ظاهريًا، وإطلاق العنان لعنف جديد في منطقة القرن الأفريقي الأوسع وما وراءها.
وفي حين تشير إلى أن السودان مقسم فعليًا بين قوات الدعم السريع شبه العسكرية والقوات المسلحة السودانية، مع انحصار الصراع في منطقة كردفان بوسط البلاد، قالت إن إن الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، الإمارات العربية المتحدة، قد تستعد لفتح جبهة جديدة عبر إثيوبيا.
الأمر الذي قالت إن من شأنه أن يزيد من تجذير الصراع إقليميًا، ويخلق بؤرة توتر أخرى في الصراع الدائر على النفوذ بين السعودية والإمارات، ويهدد بجر مصر وإريتريا إلى الصراع بشكل مباشر، بحسب كاميرون هدسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي لشؤون أفريقيا، ووليام كار، قائد فريق أفريقيا لمشروع التهديدات الحرجة في معهد أمريكان إنتربرايز.
وأشارت إلى أن واشنطن تدرك أن حربًا إقليمية ستكون كارثية على سياستها في البحر الأحمر، وستُقوّض مصالحها في مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، واحتواء إيران، لذا، وافقت على المساعدة في إنهاء الحرب في السودان، وإيفاد نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو مؤخرًا لزيارة القرن الأفريقي.
وضع خطوط حمراء للإمارات
لتحقيق ذلك، أوضحت أنه يتعين على إدارة ترامب الآن وضع خطوط حمراء خاصة بها مع الإمارات العربية المتحدة، لضمان عدم قيام هذه القوة الصاعدة في المنطقة بتوسيع نطاق الحرب بتهور.
واعتبرت المجلة أن تقسيم السودان هو نتيجة للدعم الأجنبي بقدر ما هو نتيجة للمكاسب التكتيكية للأطراف السودانية المتحاربة، مبرزة دور الإمارات كراعٍ رئيس لقوات الدعم السريع، وكان من أهم عوامل دعمها السعي الدؤوب لتنويع خطوط الإمداد.
وذكرت أنه في الأيام الأولى للحرب، دفعت الدعاية غير المرغوب فيها الإمارات إلى تقليص جهودها لإرسال الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر قاعدة نائية في أمجاراس بتشاد.
وأشارت إلى أنه بدلاً من ذلك، اتجهت إلى حلفائها الآخرين في المنطقة، وسرعان ما أصبحت خطوط الإمداد تعمل بكامل طاقتها من شرق ليبيا وجنوب السودان وبوساسو في منطقة بونتلاند الصومالية.
وقالت "فورين بوليسي" إن الإمارات قد تدعم قوات الدعم السريع في فتح قاعدة جديدة لها في منطقة بني شنقول-جوموز الإثيوبية، على الحدود الشرقية للسودان، والتي تضم سد النهضة.
ومنذ نوفمبر الماضي، شهدت إثيوبيا تصاعدًا ملحوظًا في شحنات الأسلحة المشتبه في ارتباطها بالإمارات، فضلًا عن احتمالية نشر مرتزقة فيها. ورصدت مصادر استخباراتية مفتوحة المصدر شحنة واحدة على الأقل من هذه الشحنات على الحدود الإثيوبية السودانية.
اتهام إثيوبيا باستضافة قوات الدعم السريع وتسلبيحها
وبدأ مسؤولو القوات المسلحة السودانية في دق ناقوس الخطر في ديسمبر، متهمين إثيوبيا باستضافة قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها، وتسليحها، وتقديم الدعم الاستخباراتي لها.
ومنذ بداية يناير، شنت القوات المسلحة السودانية غارات جوية قرب الحدود الإثيوبية على ميليشيات موالية لقوات الدعم السريع، وصدّت محاولة توغل للقوات في المنطقة نفسها من جنوب السودان.
وقالت المجلة إنه من شأن هذه الجبهة الجديدة أن تفتح مسارًا ثانيًا لقوات الدعم السريع لتهديد العاصمة السودانية، حيث انتهى القتال قبل أقل من عام، وبدأت عملية إعادة الإعمار للتو.
واعتبرت أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن تورط إثيوبيا في الحرب الأهلية يهدد بإشعال التوترات المتصاعدة أصلاً مع جارتيها إريتريا ومصر، مما يؤدي إلى انتشارها بسرعة عبر البحر الأحمر، الأمر الذي قد يدفع أسياس أفورقي، الزعيم الإريتري، لإعادة إشعال الصراع مع حليفه السابق وخصمه اللدود، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
وفي هذا الإطار، أوضح التحليل أن أسياس ينظر إلى السودان كساحة معركة بالوكالة لتوتراته العالقة مع إثيوبيا، وقد استغل الحرب بالفعل لتعزيز علاقاته مع السودان.
فبالإضافة إلى تدريب الميليشيات السودانية، وافقت إريتريا على تعزيز التعاون الأمني مع السودان كجزء من تحالف استراتيجي تضمن مؤخرًا توفير أراضٍ للجيش السوداني لإيواء طائراته العسكرية بعيدًا عن متناول هجمات مسيرات الدعم السريع.
وتوقعت أن تشهد الخطوة التالية في هذا التصعيد زيادة أسياس للدعم غير المباشر أو حتى نشر قوات إريترية مباشرة في شرق السودان ردًا على تدفق أسلحة أو قوات الدعم السريع إلى السودان من إثيوبيا.
رد الجيش السوداني على إثيوبيا
وقالت "فورين بوليسي" إن القوات المسلحة السودانية قد ترد على التدخل الإثيوبي بتجديد تعاونها مع المتمردين المعارضين الموالين لإريتريا في إثيوبيا.
وقدّمت القوات المسلحة السودانية الأسلحة والدعم اللوجستي لجبهة تحرير شعب تيجراي خلال حرب تيجراي. وظل اتفاق السلام لعام 2022 بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الإثيوبية، والذي اعتبره أسياس خيانة لتحالفه مع آبي أحمد ضد الجبهة، متوقفًا منذ مارس 2025.
واستغل أسياس التوترات المتصاعدة لعقد شراكة مصالح مع خصومه السابقين في جبهة تحرير شعب تيجراي ومتمردي الأمهرة القوميين، حيث يُزعم أن ميليشيات الأمهرة ومسؤولين إريتريين ومسؤولين من جبهة تحرير شعب تيجراي التقوا أواخر العام الماضي على الأراضي السودانية.
دخول مصر على الخط
ورجح التقرير أن التصعيد قد يمتد إلى ما وراء البحر الأحمر، فقد تبنت مصر موقفًا أكثر تشددًا تجاه قوات الدعم السريع منذ أن عززت هذه الميليشيا سيطرتها على غرب السودان بعد استيلائها على الفاشر في أكتوبر من العام الماضي.
وتخشى القاهرة من أن سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور بأكملها ستزيد من عدم الاستقرار على طول الحدود المصرية المشتركة، وسترفع عدد اللاجئين السودانيين البالغ عددهم 1.5 مليون لاجئ في مصر.
وبدأت مصر بالتنسيق مع تركيا لشن غارات جوية وطائرات مسيرة على خطوط إمداد قوات الدعم السريع بالقرب من منطقة الحدود الثلاثية المصرية مع ليبيا بعد سقوط الفاشر.
ومنذ ذلك الحين، صرح مسؤولون مصريون مرارًا وتكرارًا بأن مصر لن تقبل بأي شيء سوى دولة سودانية موحدة تضم القوات المسلحة السودانية وتحل قوات الدعم السريع.
كما اتخذت مصر خطوات منفصلة للضغط على إثيوبيا لإعادة فتح المفاوضات بشأن سد النهضة - الذي تعتبره مصر تهديدًا وجوديًا - من خلال اتفاقيات بحرية جديدة مع جيبوتي وإريتريا في أواخر عام 2025. والآن، سيتعزز دور السودان كساحة حرب بالوكالة في حال تدخلت إثيوبيا.
التنافس بين دول الخليج في السودان
وبحسب التقرير، أدى تصاعد التنافس بين دول الخليج في السودان وخارجه إلى تأجيج نيران أزمة إقليمية شاملة عبر البحر الأحمر. ففي نوفمبر الماضي، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على الإمارات العربية المتحدة لقطع دعمها لقوات الدعم السريع والمساعدة في التوصل إلى حل دائم للحرب الدائرة في السودان.
وقالت "فورين بوليسي"، إن الإمارات يبدو أنها ردت بدعم محاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة من قبل حلفائها اليمنيين ضد حلفائها السعوديين في جنوب اليمن في ديسمبر.
وفي سياق متصل، أفادت التقارير أن الإمارات ساعدت إسرائيل في التوسط لاعترافها بمنطقة أرض الصومال الانفصالية في الفترة نفسها تقريبًا، مما زاد من المخاوف الإقليمية من أن إسرائيل والإمارات تتنافسان للسيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وأبرزت المجلة التحركات السعودية على هذا النشاط، قائلة إنها لم تعد مجرد متفرج سلبي على الأحداث في جوارها. ففي أواخر ديسمبر، شنت الرياض غارات جوية على أهداف إماراتية في اليمن، مما أدى فعليًا إلى تقويض النفوذ الإماراتي في البلاد خلال الأسبوعين التاليين، وأجبر أبوظبي على الانسحاب.
كما أفادت التقارير أن السعودية تعمل سرًا على إبرام صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار لتمكين الجيش السوداني من شراء طائرات وأنظمة دفاع جوي ضرورية من باكستان لقلب موازين الحرب.
وفي سياق تعزيز موقفها، تحاول الرياض الآن تعطيل خطوط الإمداد الجوي الإماراتية لقوات الدعم السريع برفضها منح تصاريح مرور لرحلات الشحن والطائرات العسكرية الإماراتية، وحثّها شركاءها الإقليميين على فعل الشيء نفسه.
ضغوط مصرية سعودية على حفتر
ورجحت المجلة أن يكون الضغط الذي مارسته كل من الرياض ومصر على القائد الليبي خليفة حفتر، قد ساهم في إعلانه إغلاق قاعدة الجفرة الجوية في جنوب شرق ليبيا لمدة شهر لأغراض "الصيانة"، علمًا بأن القاعدة استقبلت في الأشهر الأخيرة أكثر من 100 رحلة شحن إماراتية، وبرزت كأكبر مركز دعم لقوات الدعم السريع في الحرب.
وحثت المجلة المجتمع الدولي، بقيادة واشنطن على بذل قصارى جهده لمنع ظهور تحالف جديد بين إثيوبيا والإمارات في حرب السودان.
وطالبت إدارة دونالد ترامب بالاستجابة لمطالب الجمهوريين في الكونجرس وتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، مما سيمكن المسؤولين الأمريكيين من التحقيق مع أي جهات خارجية تقدم دعمًا ماديًا لها، ومقاضاتها، وفرض عقوبات عليها، وهو ما يمثل تحذيراً شديد اللهجة لدولة الإمارات العربية المتحدة.
مع ذلك، رأت أن الإجراءات العقابية قد تأتي وحدها بنتائج عكسية، ومن غير المرجح أن تنهي التدخل الإماراتي. لذا، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين الانخراط مع الإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى حل وسط يُقرّ بالمصالح الإماراتية في السودان.
وقالت: ينبغي على الولايات المتحدة مواصلة الضغط على القوات المسلحة السودانية لتقليص نفوذ فصائلها الإسلامية. ويمكن للوسطاء الأمريكيين أيضًا محاولة التفاوض على اتفاق مُرضٍ للطرفين مع الإمارات والقوات المسلحة السودانية، يُقرّ بأن العلاقات السلمية تصبّ في مصلحة البلدين على المدى البعيد.
وبالنظر إلى ما هو أبعد من الحرب الأهلية السودانية، يمكن لإدارة ترامب استخدام هذه الأدوات نفسها في مساعيها المتجددة للتوسط في اتفاق دائم بشأن إدارة سد النهضة. وقد سعت مصر مجددًا إلى إشراك ترامب، كما أن المسؤولين العسكريين الإثيوبيين متخوفون من هجوم مصري محتمل على السد. ويتعين على واشنطن أن تدرك أن أي مفاوضات بشأن سد النهضة لا يمكن إحراز تقدم فيها بمعزل عن الديناميكيات المعقدة للغاية في السودان.
في الوقت الذي يسعى فيه الوسطاء الأمريكيون إلى تخفيف حدة التوترات في السودان وعموم منطقة القرن الأفريقي، ينبغي عليهم النظر في ضم تركيا وقطر إلى مفاوضات الحوار الرباعي (كواد) وجهود الوساطة الأخرى. فكلتا الدولتين من أبرز الداعمين للقوات المسلحة السودانية، حيث أرسلتا طائرات مسيرة وطائرات في مراحل مختلفة من الحرب. وسيسهم انضمام هاتين الدولتين إلى الحوار الرباعي في توسيع نطاق جهود الوساطة الإقليمية لتشمل مناطق أخرى خارج السودان.
وتربط تركيا علاقات مع كل من السعودية والإمارات، وقد نجحت في التوسط في قضايا حساسة أخرى مع إثيوبيا في أرض الصومال. كما أن لقطر تاريخًا حافلاً في جهود الوساطة بالتعاون مع الولايات المتحدة وفي منطقة القرن الأفريقي.
https://foreignpolicy.com/2026/01/27/sudan-united-arab-emirates-saudi-arabia-ethiopia-trump-red-sea/

